تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٧ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٣
قوله عز و جل: [سورة الحديد [٥٧]: آية ٢٣]
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [٢٣]
و قرء أبو عمرو: «بما اتيكم»- بالقصر- و يكون الفاعل الضمير الراجع إلى الموصول. و الآخرون بالمد ليكون هو الضمير العائد إلى اسم اللّه، و «الهاء» محذوفة من الصلة، تقديره: بما آتاكموه.
لما ذكر سبحانه إن جميع ما أوجده اللّه تعالى مثبت في كتاب سابق، أراد أن يعلل ذلك و يبين حكمته فيه، فقال: لكيلا تأسوا و لا تفرحوا. أي: فعلنا ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا، و لا تفرحوا بما أعطاكم اللّه منها، و الذي يوجب نفي الأسى و الفرح إن الإنسان إذا علم أن كلما حكم عليه في القضاء السابق الأزلي ليس إلا من مقتضيات ذوات الأشياء التي لا يمكن التفصي عنها، يحصل لها الاطمئنان الكلي و الراحة الكلية على أن كل كمال يقتضيه حقيقته و كل رزق صوري أو معنوي يطلبه عينه لا بد أن يصل إليه.
كما
قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن روح القدس ينفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى يستكمل رزقها. أ لا فأجملوا في الطلب» ١٥٨ ١٥٩ [١].
فيستريح عن تعب الطلب، و إن طلب أجمل و لا يخاف من الفوات و لا ينتظر، لعلمه بأن اللّه سبحانه في كل حين يعطيه من خزائنه ما يناسب وقته و استعداده، فهو واجد دائما من مقصوده شيئا فشيئا، و ما لا يقدر له لا يراه من الغير، فلا يبقى له حزن
[١] جاء ما يقرب منه في سنن ابن ماجة: كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة:
٢/ ٧٢٥.